الكتابة والإبلاغ عن العالم السفلي: احترام المصادر والبقاء آمناً

Print More

في المؤتمر العالمي للصحافة الاستقصائية لعام 2017م، شارك كل من ستيفان دوجينوفيتش من شبكة الإبلاغ عن الجريمة والفساد في صربيا، والصحفيان الاستقصائيان سيسيليا أنيسي، وجوليو روبينو من مشروع التحقيقات الاستقصائية الإيطالية، وسولمون سيروانجا من تلفزيون NBS في أوغندا وKTN في كينيا، وجو دايفيدسون من برنامج المساعدات الدولية للتدريب الجنائي التابع لوزارة العدل الأمريكية خبراتهم وتجاربهم بشأن ما يلزم للتحقيق في أعمال المافيا، والعصابات، والكارتيلات، وعملية الإبلاغ عنها.

جوليو روبينو وسيسيليا أنيسي من من مشروع التحقيقات الاستقصائية الايطالية (IRBI) يناقشان المشاكل والعقبات التي واجهتهم خلال التحقيق في قضية كوستا نوسترا في إيطاليا. تصوير: مادلين كرونجي

واجه ستيفان دوجينوفيتش وشريكته بافلا هولكوفا من المركز التشيكي للصحافة الاستقصائية (CCIZ) عقبتين أثناء وقوفهما أمام سجن في محاولة للتحدث إلى أحد أعضاء العصابات حيث كانا في منتصف كتابة قصتهما عن أعضائها.

وقال: “إن هذا الشخص لم يتحدث إلى الصحفيين. ويعرف عنه أنه يرفض التعامل مع الإعلاميين”.

ليس ذلك فحسب، بل واجهتهم مشكلة في الدخول إلى السجن، ولضيق الوقت، لم يتمكنا من الحصول على إذن للدخول بالرغم من محاولة كل الطرق التقليدية.

لذلك، توصلا إلى استخدام طريقة غير تقليدية.

راقب الصحفيان دوجينوفيتش وهولكوفا السجن لفترة من الوقت، واكتشفا أنه تم تخصيص يوم يسمح فيه للسجناء باستقبال زوجاتهم، وصديقاتهم، وكذلك البغايا.

“يوم الجنس”، وصفه حراس السجن بوقاحة. ولكنه بالنسبة للصحفيين، كان بمثابة فرصة ذهبية. قررا محاولة الذهاب للسجن في ذلك اليوم، وتظاهرت هولكوفا بأنها من البغايا.

وقال دوجينوفيتش “لقد رفضوها في البداية لأنها لا ترتدي ملابسها كالبغايا. وقامت بعض النساء المتواجدات هناك مصادفة بإخبارنا أن متجرا للملابس المستأجرة يقع بالقرب من السجن، فتوجهت هولكوفا لهناك وغيّرت ملابسها. ارتدت تنورة قصيرة وصندلا مرصعا بالكريستال، ونجحت اللعبة”.

هذه المرة دخلت من الباب.

وفي الزنزانة، كشفت عن هويتها له بأنها صحفية. أعجب عضو العصابة بحركتها الجريئة، واحترم عدم خوفها.

وقال دوجينوفيتش مبتسماً “أمضى ساعتين في الحديث معها”، وأضاف “أن عضو العصابة قال: استخدمتم تكتيكات قد لا يقدم أفراد العصابات على القيام بها، وأنه يحترم ما قمنا به”.

وبعد انتهاء المقابلة قام عضو العصابة بتحذيرها قائلاً: “إذا كتبت شيئاً قد يؤذيني، فسوف أجدك”.

إن الخطر في مسألة الإبلاغ عن الجريمة المنظمة واضح جداً: ارتكب خطأ ما، وسيكون سببا في مقتلك.

احترم مصادرك ومواضيع تحقيقاتك

يمكن أن يشكل الإبلاغ عن عمليات وأرقام الجريمة المنظمة مشروعا ينطوي على الكثير من المخاطر إذا كان الصحفيون لا يعرفون ما يفعلون. إن الفشل في احترام المصادر ومواضيع القصص الصحفية يمكن أن يؤدي في أفضل الأحوال إلى فقدان المصادر بحد ذاتها، وفي أسوأ الأحوال، التهديد بالقتل… أو القتل.

وقال سيروانجا في معرض حديثه عن التحقيق الوثائقي حول عصابات ولصوص كامبالا “إن المصادر هم أشياء أساسية. ويتوجب عليك كسب ثقتهم. وفوق أي اعتبار، لا تتهمهم، واستمع إلى قصتهم ورواياتهم”.

كن صادقا، ومستقيما على الدوام، واحترم دورك كمراسل، ووضّح أنك ستكتب فقط ما يقولونه.

اتفق نظراؤه من إيطاليا مع ما قاله، “سوف يقدمون لك معلومات إضافية قد لا يدركون هم أنفسهم أنهم يعطونها لك”، قال روبينو. ولكنه أضاف، أنه من المهم معرفة نواياهم وما يريدون.

وقال “إن الحصول على وجهة نظرهم أمر ضروري”. وأضاف خلال مناقشته وشريكته أنيسي التعقيدات والعقبات التي واجهتهما أثناء التحقيق في قضية كوستا نوسترا وندرانغيتا في إيطاليا: ” كن صادقا، ومستقيما على الدوام، واحترم دورك كمراسل، ووضّح انك ستكتب فقط ما يقولونه”.

وأكد سيروانجا كذلك على أهمية الوفاء لهم كصحفي في نهاية الصفقة، والتأكد من أنك ستفعل ما قلت أنك ستفعله أمامهم.

وقبل كل شيء، لا تحصل على قصتك بشكل خاطئ.

وقال روبينو إنه ليس من الصعب تقديم تقرير عن المنظمات الإجرامية إذا احترمت مواضيع قصصك وتحقيقاتك، وحصلت على وجهة نظرهم، ووثق القصة بشكل صحيح ولا تحصل على قصة خاطئة.

وحذّر  قائلاً: غالبا ما يغضبون إذا أبلغت عن قصة خاطئة حولهم.

احصل على عدة زوايا قدر الإمكان

وقال دوجينوفيتش “تحتاج إلى الكثير من المصادر من كلا الطرفين: رجال الشرطة والعصابات”.

وصرح جو دايفيدسون، وهو عميل خاص سابق بمكتب التحقيقات الفيدرالي، للصحفيين بأنه في الوضع الراهن أصبح هناك زيادة في التسريبات، ما يجعل التعامل مع معظم منفذي القوانين والتواصل معهم ممكنا، والحصول على علاقات ومصادر معلومات جيدة، حتى مع رجال الشرطة أنفسهم وفي البلدان الفاسدة جدا.

وقال دايفيدسون “إن معظم رجال الشرطة يريدون أن يكونوا صادقين، حتى في البلدان الفاسدة، انطلاقا من إحساسهم بأخلاقيات المهنة، لا المهنة بحد ذاتها فقط”.

ونصح الصحفيين بالذهاب الى المحكمة في كثير من الأوقات، قائلا: “ابحث عن قصتك في المحاكم، وابحث عن المحقق نفسه وليس المخبر أو الإعلامي. تعرف على وكيل القضية، وتحدث إليه خارج قاعات المحكمة. وإذا قدر لك مقابلة شخص أو شخصين منهم، فأبدا بالتعارف وتواصل معهم اجتماعيا. كوّن صداقات معهم. تحدث إليهم بعقل منفتح، وتكلم بموضوعية”.

وأضاف سيروانجا أنه من المهم للمراسل عدم إشراك السلطات في تحقيقه. ومن الأفضل أن تسمح لهم برؤية قصتك بعد نشرها، وليس قبل ذلك. وقال “ما لم يكن لديك دليل على جريمة خطيرة وجديّة، لا تدع السلطات تتدخل في قصتك. حماية مصادرك هو أمر مهم جدا”. وأضاف “كانت الشرطة قد وجّهت لي أسئلة حول العصابات بعد أن قمت بنشر الفيلم الوثائقي، ولكنني لم أفضح مصادري”.

لا تتورط عاطفياً

اعتبر سيروانجا نفسه عضوا من أعضاء العصابة في تحقيقه حول عصابات ولصوص كمبالا من أجل الحصول على القصة: “عشت معهم، أكلت معهم، ودخنّت معهم”.

تحتاج أن تتذكر أنك تكتب قصصا إخبارية عن قصص إجرامية ومجرمين. لا تكن ودودا لهم، فلا يمكنك أن تكون صديقا لهم. غير أنه من الواضح أن هناك خطرا يتمثل في قضاء الكثير من الوقت مع المصادر داخل العصابات، ومع موضوع قصتك الذي من الممكن التورط معه عاطفيا. وأضاف ناصحاً “بدأت أشعر بالقلق من احتمالية اعتقالهم إذا قمت بنشر تقريري، لذلك توخى الحذر، وأبقى على مسافة بعيدة من الخطر”.

ووافق  دوجينوفيتش رسميا على ما قيل.

“تحتاج أن تتذكر أنك تكتب قصصا إخبارية عن قصص إجرامية ومجرمين. لا تكن ودودا لهم، فلا يمكنك أن تكون صديقا لهم”.

وأضافت أنيسي “حافظ على وجهة نظرك بشكل مستقل سواء كنت تتحدث إلى رجال الشرطة أو إلى المجرمين”.

راقب موضوع قصتك عن كثب

عند استكشاف عصابات كمبالا، قال سيروانجا إنه من المهم “مراقبة كل شيء بعينيك” لتحديد الأنماط، والطرق التي يسلكها المجرمون، وكيفية تشغيلهم، وعليك التحلي بالصبر إذا لم تكن الأمور واضحة بشكل جلي.

دوجينوفيتش، أنيسي، روبينو وسيروانجا أصبحوا جميعا خبراء في مناطقهم في عملية الإبلاغ عن قصصهم الاستقصائية. فهم يفهمون صعوبة ليس الاستفادة من مصادرهم داخل المنظمة الإجرامية فحسب، بل كيف تعمل الأنظمة الإجرامية في بلدانهم، ابتداء بالقادة، ومرورا بالهياكل التنظيمية، والعلاقات السياسية، وكيف تدار.

وبغض النظر عن العائلات والعشائر والتسلسل الهرمي لمختلف تشكيلات المافيا في ايطاليا، فان لمخابئ وتقنيات وتكتيكات اللصوص في كمبالا، أو عمليات مهربي المخدرات، وتجار السجائر في صربيا طريقة في فهم كيفية قيام المنظمات، وعمل التحقيقات، وإدارتها بطريقة ذكية.

حافظ على سلامتك

واتفق جميع الصحفيين في الفريق على ضرورة عدم سفر الصحفيين إلى أماكن خطرة دون أي شكل من أشكال الحماية، سواء من خلال تعيينهم لحراس أمن، أو توفير الحماية من قبل الشرطة، أو الأشخاص المحليين، أو الشركاء لتبقى أعينهم عليك عن بعد. وقال سيروانجا “انك تحتاج إلى الدعم، لا تذهب لوحدك”.

وقالت أنيسي “هناك أماكن في صقلية وكالابريا لا يمكنك الذهاب إليها بدون حماية الشرطة، إنها خطرة”. وأضافت أنه على الرغم من أن الصحفي قد يكون جزءا من فريق الشرطة، فمن المهم ألا تتأثر بآرائهم أو آراء المجرمين الذين بلغت عنهم”.

“أنا لا أومن بالموت من أجل الصحافة!” ضحك سيروانجا، “وإلا من سيكون هناك ليروي القصص الإخبارية؟ نحتاج إلى أن نكون هناك”.


عملت كاتبة ومحررة مستقلة في باريس قبل انضمامها إلى OCCRP، كما عملت باحثة في مركز الصحافة الاستقصائية في لندن مع المراسل الإذاعي أندرو جينينغز في التحقيق في قضية الفساد في الفيفا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *